الخطيب الشربيني

326

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده وَتَوَلَّوْا عن الإيمان . فإن قيل : قوله تعالى : فَكَفَرُوا تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ذكره ؟ أجيب : بأنهم كفروا وقالوا : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية ، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولا يدل على التولي ، فلهذا قال : فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ، وقيل : كفروا بالرسل وتولوا بالبرهان ، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة . ونبه بقوله تعالى : وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء . فإن قيل : قوله تعالى : وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ يوهم وجود التولي والاستغناء معا ، والله تعالى لم يزل غنيا ؟ أجيب : بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك وَاللَّهُ أي : المستجمع لصفات الكمال غَنِيٌّ عن خلقه حَمِيدٌ أي : محمود في أفعاله . زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله تعالى ، ولو على أدنى الوجوب . وزعم قال ابن عربي : كنية الكذب ، وقال الزمخشري : الزعم ادعاء العلم ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « زعموا مطية الكذب » « 1 » وعن شريح : لكل شيء كنية ، وكنية الكذب زعموا . وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند أبي داود : « بئس مطية الرجال زعموا » « 2 » أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا أي : من أي باعث ما بوجه من الوجوه قُلْ أي : يا أشرف الرسل لهؤلاء البعداء بَلى أي : لتبعثن ثم أكد بصريح القسم فقال : وَرَبِّي أي : المحسن إلى بالانتقام ممن كذب بي لَتُبْعَثُنَّ أي : بأهون شيء وأيسر أمر ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ أي : تخبرنّ إخبارا عظيما ممن يقيمه الله تعالى لإخباركم بِما عَمِلْتُمْ أي : بأعمالكم لتجزون عليها وَذلِكَ أي : الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب عَلَى اللَّهِ أي : المحيط بصفات الكمال وحده يَسِيرٌ إذ الإعادة أسهل من الابتداء . فإن قيل : كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث ، وهم قد أنكروا الرسالة ؟ . أجيب : بأنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقادا جازما فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون الإخبار عنده صدقا أظهر من الشمس في اعتقاده ، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسما بعد قسم . ثم إنه تعالى لما أخبر عن البعث ، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ أي : الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء وَرَسُولِهِ أي : كل من أرسله ولا سيما محمدا صلى اللّه عليه وسلم وَالنُّورِ أي : القرآن الَّذِي أَنْزَلْنا أي : بما لنا من العظمة ؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلالة كما يهتدى بالنور في الظلمات . فإن قيل : هلا قيل : ونوره ، بالإضافة كما قال : ورسوله ؟ أجيب بأن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة فكأنه قال : ورسوله ونوره وَاللَّهُ أي : المحيط علما وقدرة بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 173 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 4972 ، وأحمد في المسند 4 / 119 ، 5 / 401 .